Pages

خطاب مارتن لوثر كنج جونيور

I Have a Dream
Martin Luther King, Jr.


د. مارتن لوثر كينغ (جونيور) يحيي الحشود المجتمعة عند نصب لنكولن التذكاري لسماع خطابه المشهور بعبارة "لديّ حلم". (الصورة من أسوشييتد برس)
د. مارتن لوثر كينغ (جونيور) يحيي الحشود المجتمعة عند نصب لنكولن التذكاري لسماع خطابه المشهور بعبارة "لديّ حلم". (الصورة من أسوشييتد برس)
واشنطن،- كانت مسيرة أعقبها خطاب لا يمكن أن ينمحيا من ذاكرة العالم. في 28 آب/أغسطس 1963، سار ما يقدر بنحو 250 ألف شخص في مسيرة إلى نصب لنكولن التذكاري في واشنطن العاصمة حيث استمعوا إلى مارتن لوثر كينغ وهو يلقي خطابًا بلغ درجة من البلاغة والفصاحة لا يمكن تجاهلها. لقد منح هذا الخطاب، الذي اشتهر منذئذ بسبب فقراته التي تبدأ بعبارة "لديّ حلم"، صوتا حماسيًا مشبوبًا بالعواطف لمطالب حركة الحقوق المدنية الأميركية -- المساواة في الحقوق بين جميع المواطنين، بمن فيهم أولئك الذين ولدوا ببشرة سوداء وبنّية.
إن هذا الخطاب، الذي جاء مختتمًا أكبر تظاهرة في تاريخ الولايات المتحدة حينذاك، قد بعث، وعلى نحو خاص، روحًا جديدة من الأمل في جميع أنحاء المعمورة. لقد كانت واحدة من تلك اللحظات النادرة في التاريخ التي غيّرت أمة -- ممهدًا الطريق لتحول كبير في القانون والحياة الأميركييْن.
تستعيد دوروثي هايت، الرئيسة الفخرية للمجلس الوطني للنساء السود (NCNW) ذكرياتها قائلة "لقد كان يوما هادئًا للغاية يسوده السلام. بحر من البشر وأمواج متلاطمة من الوجوه البيضاء والسوداء غمرت المتنزه القومي." كانت هايت واحدة من منظمي المسيرة، وكانت تجلس وراء كينغ على المنصة. وأضافت تقول "أعتقد أنها كانت لحظة حاسمة، ليس فقط في تاريخ الحقوق المدنية الأميركية، ولكن أيضا في التاريخ الأميركي ككل، فقد أسفرت عن عزم متجدد للتحرك في اتجاه الحرية والمساواة وزيادة فرص العمل للملونين."
وتقول هايت -- التي ظلت ناشطة حتى وفاتها في العام 2010، ومؤلفة مذكرات "افتحوا أبواب الحرية على مصراعيها" – "إن المغزى الحقيقي للمسيرة، وللخطاب، أنه غيّر المواقف والتوجّهات. فقد أصبح السخط المبرر أخلاقيًا ضد التمييز العنصري منتشرًا على نطاق واسع بعد المسيرة. وأدى ذلك إلى فترة من الزمن حافلة بالوعود والإنجازات. كان يمكنك أن تشعر بذلك." ويوافق على هذا الرأي النائب جون لويس (وهو ديمقراطي من ولاية جورجيا) أصغر المتحدثين عمرًا ، فكان يبلغ من العمر 23 عاما في مسيرة آذار/مارس 1963، إذ يقول "بسبب المسيرة، وبسبب انخراط المئات والآلاف من المواطنين العاديين، فقد شهدنا ما يحلو لي أن أسميه ثورة لا عنفية في ظل سيادة القانون -- ثورة في القيم، وثورة في الأفكار."
كان المظهر الملموس للتغيير الذي وصفته هايت ولويس سريعًا في مجيئه. ففي أقل من عام بعد المسيرة، وقّع الرئيس ليندن جونسون قانون الحقوق المدنية لعام 1964، والذي يحظر التمييز في المرافق والمنشآت العامة، مثل الفنادق والمطاعم، ويحظر أيضا التمييز في التوظيف. في السنة التالية، صدر قانون حقوق التصويت للتأكد من أن الأميركيين الأفارقة لديهم الحق في التصويت في الواقع كما هو على الورق. وفي عام 1968 أقر الكونغرس قانون الإسكان العادل للقضاء على التمييز في شراء وتأجير المساكن. وقد أكملت هذا التشريع الذي يمثل نقطة تحول هامة سياساتٌ جديدة، مثل النشاط الإيجابي، والمصمم لمواجهة إرث التمييز وتعزيز النهوض والارتقاء بالأميركيين الأفارقة.
وتعتبر التشريعات الصادرة في حقبة الستينيات من القرن العشرين تتويجًا لحركة الحقوق المدنية. فقد قضى قانون الحقوق المدنية على أكثر الأشكال الصارخة من التفرقة والتمييز قضاءً مبرمًا، واستأصل كل أشكال الإذلال والإهانة التي دامت قرونًا. لقد عمل قانون حقوق التصويت على تمكين الملايين من الأميركيين الأفارقة سياسيًا، مما أدي إلى زيادة في المناصب التي يشغلها السود.
وقد دخلت القوانين الجديدة حيز التنفيذ على الفور. لكن كان التغيير في المواقف والتوجّهات هو الأمر الأكثر بطأً. ففي استطلاع أجرته مجلة نيوزويك عام 1963 قال 74 في المئة من البيض إن عملية الاندماج العرقي "تتحرك بسرعة كبيرة"، وهي وجهة نظر تبدو صادمة اليوم حيث تختلف المواقف والتوجّهات اختلافًا عميقًا. ففي استطلاع أجرته نيويورك تايمز عام 2000، على سبيل المثال، قال 93 في المئة من البيض إنهم من الممكن أن يصوتوا لمرشح رئاسي أسود يكون مؤهلا. كما وافق أكثر من 60 في المئة على الزواج بين الأعراق المختلفة. وقال 80 في المئة إنهم لا يهتمون بما إذا كان جيرانهم من البيض أو السود.
إذا كان كينغ على قيد الحياة اليوم، فمن المرجح أنه كان سيستحسن ويشيد بتحقيق معظم أهداف مسيرة عام 1963، مع التأكيد على أن حلمه لم يتحقق تمامًا حتى الآن، وخصوصا فيما يتعلق بالمساواة في الفرص الاقتصادية. وهذه وجهة نظر أكدها أيضًا قادة الحقوق المدنية، مثل هايت ولويس. فيقول لويس "لقد حققنا الكثير من حلم الدكتور كينغ." ثم يضيف "ولكن لا تزال أمامنا مسافة ينبغي أن نقطعها." فإزالة الفوارق الاقتصادية والتعليمية العالقة بين الأعراق هي مهمة أكثر تعقيدًا بكثير من مجرد إنهاء التفرقة المسموح بها قانونًا ومنح حقوق التصويت.
وبالنسبة لكينغ، فإن حلمه في مسيرة واشنطن هو الآن جزء من التيار السياسي الرئيسي، كما أن عيد ميلاده هو يوم عطلة قومية يقوم خلالها الأميركيون بتكريم أفكاره وإحياء وذكراه. وقد أيد الزعماء السياسيون من كلا الحزبين الرئيسيين إقامة نصب تذكاري تكريمًا له في عاصمة البلاد بجانب ثلاثة عمالقة من التاريخ الأميركي -- الرئيس أبراهام لينكولن وتوماس جيفرسون وفرانكلين ديلانو روزفلت. إنه تصرف ربما يوضح كيف يمكن أن تنمو أمة وتتغير بحيث صارت الغالبية الساحقة من الأميركيين تقبل حلم كينغ باعتباره حقيقة دامغة لا يمكن دحضها.
ولم يقتصر الأمر على الأميركيين فحسب. فطوال حياته القصيرة التي دامت 39 عاما فقط، ناضل كينغ من أجل تحقيق العدل بين الأعراق في كل مكان، وليس فقط في الولايات المتحدة. وتحقيقًا لهذه الغاية، سافر كينغ إلى شتى أرجاء العالم يعلن رؤيته عن "المجتمع المحبوب"، ويعرّف العنصرية بأنها شر عالمي. وأشار كينغ إلى ذلك المسعى قائلا "من بين الضرورات الأخلاقية في عصرنا هذا، نجد أنفسنا مدفوعين للعمل في جميع أنحاء العالم بعزم ثابت وتصميم لا يتزعزع للقضاء على آخر بقايا العنصرية. إنها لم تعد مجرد ظاهرة أميركية. فقبضتها الخبيثة لا تميّز بين حدود الأوطان."
حتى في اليوم الذي ألقى فيه خطابه المعروف بعبارة "لدي حلم"، وفي الوقت الذي كان يتحدث فيه إلى الأميركيين على وجه الخصوص، كان كينغ واعيًا لأثر المسيرة ومغزاها في جميع أنحاء العالم. فقد قال "وإذ يبث التلفاز صورة هذا التجمع الاستثنائي عبر الحدود والمحيطات، فإن كل واحد يؤمن بقدرة الإنسان على تحسين نفسه والارتقاء بها لديه لحظة يتجلى فيها الإلهام والثقة في مستقبل الجنس البشري."
وشدّدت الناشطة هايت على الأهمية العالمية لأحداث 28 آب/أغسطس 1963 فقالت: "أينما حللتُ في العالم في هذه السنوات الـ40 الماضية، فإنه أمر لا يصدق بالنسبة لي كيف أن الناس يعرفون الكثير عن حركة الحقوق المدنية وعن د. كينغ -- وغالبا بتفصيل دقيق جدًا. لقد كان العالم يرقبنا عن كثب في ذلك اليوم. فالمسيرة حركت مشاعر العالم، مثلما حركت مشاعر أميركا."